الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي
447
المنقذ من التقليد
والفرق بيننا وبينهم فيما نقلناه من النصّ الجليّ ظاهر بيّن ، لأنّ النصّ وإن كتمه قوم فقد نقله آخرون وإن كانوا أقلّ منهم ، وظهوره وشياعه في أصحابنا الإمامية غير خاف ، وكان يجب على هذا نقل المعارضة في جماعة يثبت بنقلهم الحجة أو يدخل به الشبهة فلمّا لم ينقل أصلا بان الفرق بينهما . على أنّا نعلم أن المعارضة لم تكن على حدّ علمنا بأنّه ما كان للنبيّ عليه السلام هجرة إلى خراسان ، ولا يمكن مخالفينا في النصّ ادّعاء مثل هذا العلم في نفي النصّ . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : المعارضة وقعت من واحد أو اثنين ولم تشع فقتلهما أصحاب النبيّ عليه السلام ، وإن كتم ذلك واستمرّ . قلنا : إذا كانت المعارضة تعذّرت على الفصحاء المعروفين والشعراء والخطباء المبرّزين كفى ذلك في باب خرق العادة وانتقاضها وكون القرآن معجزا ، إمّا بأن يكونوا مصروفين على مذهب من قال بالصرفة ، أو لأنّ القرآن بفرط فصاحته خرق العادة ، فلذلك عجز أولئك المشاهير من الفصحاء عن معارضته وإذا فرضنا كون القرآن خارقا للعادة بفرط فصاحته ، فأمّا أن يكون القرآن من جهته تعالى أو من جهة الرسول ، فإن كان من جهته تعالى فلا كلام فيه ، وإن كان من جهته عليه السلام ، فهو إنّما يتكّن من مثل تلك الفصاحة بعلوم خصّه اللّه تعالى بها ، فتلك العلوم تكون خارقة للعادة من جهته تعالى وأيّ الثلاثة ثبت وصحّ ثمّ بذلك صدقه ، ونعلم بعد العلم بصدقه أن أحدا غير ما ذكرناه لم يتمكّن من المعارضة ويبطل التجويز الذي ذكره السائل فاتضح وتقرّر انتفاء المعارضة وعدمها . أمّا أنّ عدم المعارضة لانتفائها كان للتعذّر ، فبيانه أنّه توفّرت دواعيهم واشتدّت حاجتهم إلى الإتيان بها ولم يكن لهم عنها صارف ولم يأتوا بها ، وكلّ من توفّرت دواعيه واشتدت حاجته إلى فعل ولم يصرف عنه صارف ثمّ لم يفعله فهو غير متمكّن منه وإنّما يفعله لتعذّره عليه .